^Back To Top

الإشاعة دائما ما يتم صناعتها من أجل التأثير في المجتمع ، خاصة الفئات التي لا تملك مستوى علمي ومعرفي يمكنها من فحص وتمحيص حقائق الأمور، فعندما تغيب المعلومات والحقائق تبسط الإشاعة مفعوليتها داخل المجتمع وتتحول إلى خبر صادق  ،وتمارس تأثيراتها بدون أن تلقى المقاومة والمجابهة من طرف الأفراد، حيث يساهم الكل في تدويرها وتسويقها، مما يضمن لها سرعة الذيوع والانتشار لكونها تجد أرضا خصبة ترعاها وتحتضنها ، وهي تعتبر بحق  من أخبث أسلحة الحرب النفسية  التي يتم توظيفها ،وتسري في الناس  كما يسري الهواء الذي يستنشقونه ويكاد لا يعرف سامعها مرددها ،ولا مرددها أثرها المدمر على معنويات الشعب. والاشاعة تلحق أضرارا جمة في صفوف المجتمع .حيث تتوجه إلى إحداث نوع من الهيمنة والسيطرة على الجانب السيكولوجي /النفسي للمجتمع.

 الوظائف الأساسية التي تؤديها الاشاعة داخل المجتمع

الكثير من الأمم نجدها تعيش حالة من الارتهان للإشاعة لكونها تحيى في حالة من الغفلة وضعف البصيرة وفقدان مختلف أوجه المناعة ضد الإشاعة ،حيث من السهل تطويع الأفراد وتوجيههم الوجهة المرغوب فيها بمعنى هنا تشييء القدرات العقلية والمعرفية للافراد وجعلها في خدمة الإشاعة في حد ذاتها .

وغالبا ما تساهم الشائعات في انتشار  الذعر والتوتر والقلق في نفوس الناس،خاصة بين الافراد الذين يعيشون حالة من  الفراغ الثقافي والفكري والمعرفي، و في حالة توقع الخطر وحصول الضرر تنتشر الشائعات وينتشر  مروجوها أثناء  أوقات الحروب والكوارث والفوضى، لأن الناس يتوقعون حدوث الشر خلال هذه الأوقات، وفي هذه الحالة يكون لدى الناس الاستعداد و القابلية أكثر  لتصديق الاشاعات، اي عندما يسمعون أية معلومة يتناقلونها فيما بينهم دون التحقق من صحتها بل يعمدون في كثير من الأحيان إلى النفخ فيها أو تحويرها أو تحريفها بما يخدم نواياهم ونوازعهم الذاتية.

إن مصدر الشائعات غالبا ما يكون مجهولا، فحينما يقوم شخص بترويج  الشائعة ما وتسأله عن مصدرها يقول: “سمعتها من فلان أو يقولون كذاِ..” دون التحقق  من مدى مصداقيتها وصحتها، والشخص الذي  يروج  للشائعات دائما ما يقوم بذلك  بدافع الجهل أو  الحق، أو انه يرمي الى تحقيق هدف معين من خلال ترويج الشائعات  وبالتالي العمل على شيوعها داخل المجتمع.

ويشير العالم" ليون فستنجر" في نظرية التنافر المعرفي في قوله ان استقبال الأفراد أو الجماعة لمعلومات غامضة أو غير كافية أو غير مناسبة أو متناقضة تخلق لديهم حالة من مظاهر سوء الإدراك والفهم لمجريات الأحداث مسببة حالة من الارتباك والفوضى.


والإشاعة تكاد لا تستثني أحدا من المواطنين (الصالح والطالح على حد سواء )،حيث يتم ترديدها بشكل واسع ،ويتحول كل مواطن إلى ناقل لها ،ولعل أبرز الإشاعات هي التي تتعلق بأمن الناس المرتبط بمختلف الجوانب الحياتية وبمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية ، وهي تستعمل مثلا للتمويه والتغطية على الحقائق، وقد توظف للتأثير في الروح المعنوية للأفراد داخل المجتمع وترويج الاخبار الكاذبة ، وهي قد تكون كوسيلة للإلهاء والمشاغلة بالنسبة لأفراد المجتمع عن المشاكل الحقيقية التي يتخبطون فيها، أو أن تكون كوسيلة تمهيدية لتهيئة المجتمع من أجل اتخاذ قرارات مصيرية، ويتم إفشاء ونشر الإشاعة للترحيب والتخويف أيضا  ، فكم من اشاعة حطمت العظماء وكم من اشاعة استطاعت ان تدمر  كل الوشائج بين الناس وتؤدي الى بروز الكثير من العاهات الاجتماعية ،ونشر نوع من الشك والريبة بين أفراد المجتمع و الاضطرابات ،بمعنى أن هدفها دائما يحدث وقعا سلبيا على النفوس ، فهي تستهدف عمق نفسية الانسان وعقله وقلبه وتنغمس في عقله الباطني، وتمارس عليه نوع من الاستلاب و السلوك العدواني، وتفتك بقدراته التفكيرية   والنقدية ،ويتحول الفرد إلى أداة طيعة في أيادي مروجي الإشاعات الذين يملكون الخبرة في مجال نشر الإشاعات، ويعرفون كيفية استعمالها حسب اي حدث قائم .

هل يمكن الحديث عن وجود صناعة قائمة الذات للكذب والاشاعات؟

نعم هي صناعة قائمة الذات حيث يتم اعتماد الإشاعة ونشرها بطرق احترافية يكون لها وقع التأثير البالغ على المجتمع لكونها تستثمر  جملة من الأبعاد السوسيولوجية والانتربولوجية والسيكولوجية بالإضافة إلى المعطيات السوسيو ثقافية وتمتلك من الأدوات والآليات ما يهيؤها أن تكون في مستوى التأثير والمفعولية، بمعنى أن  إمكانيات وخبرات مروجيها دائما ما تضع استراتيجية محكمة تعتمد على تشخيص الوضع وجمع مختلف المعلومات التي بإمكانها أن تؤثر في أكبر قدر ممكن من الفئات المستهدفة ، فعندما نتحدث عن الصناعة، بمعنى أن إثارة الكذب وزرع الشائعات ليست بعملية عشوائية أو اعتباطية، وإنما هي عملية تخطيطية ومثمرة بدرجة أولى ، لدرجة انه وأمام التطور التكنولوجي والمعلومياتي الحاصل أصبح مروجي الإشاعات والأكاذيب يعتمدون على هذه الوسائل بشكل كبير من أجل ضمان أكبر قدر ممكن من تداول الإشاعات داخل المجتمع ،بالنظر إلى السرعة التي تضمنها شبكات التواصل الاجتماعي في انسيابية الإشاعات وتداولها بسرعة بين أفراد المجتمع، حيث يمكن للإشاعة أن تتجاوز حتى حدود الجغرافيا وتشمل الكثير من الأقطار والأجناس في ظل انتشار الصراعات بين الدول والمجتمعات وإضفاء إلى ذلك الدور المحوري الذي تلعبه وسائل الإعلام التقليدية في مجال شيوع الإشاعة.


فالاشاعة في العصر الراهن كيفما كان مصدرها و من يعمل على ترويجها  سواء الدول أو الأفراد أصبحت كفن وصناعة تخضع لجملة من المعايير والشروط التي تزكيها داخل المجتمع وترفع من أسهم مصداقيتها ،وتمر الإشاعة بحسب" محمد طلال الناشري  " بثلاث مراحل :

المرحلة الأولي :مرحلة الإدراك الانتقائي أي إدراك الحدث أو الخبر من جانب شخص أو عدة أشخاص ويرجع اهتمام هؤلاء بالحدث أو الخبر لمغزاه الاجتماعي في نفوسهم .

المرحلة الثانية : مرحلة التنقيح والإضافة وذلك حتي تتلاءم العناصر المكونة للإشاعة مع بعضها البعض من جهة ومع ثقافة المجتمع من جهة أخري . 

المرحلة الثالثة :مرحلة التنقيح بالهدف والانطلاق والانتشار بين الجماهير: وذلك بعد أن تكون مستساغة وسهلة الاستيعاب متوافقة مع المعتقدات، والأفكار، والقيم السائدة في المجتمع .ويخضع انتشار الإشاعة لشرطين أساسين هما:الأهمية والغموض ويرتبط هذان الشرطان ارتباطاً كمياً بدرجة انتشار الإشاعة حيث أن شدة سريان الإشاعة هي محصلة أهمية الموضوع بالنسبة للأفراد المعنيين ودرجة الغموض المتعلقة بالخبر أو الحدث .

والإشاعة لها شروط لكي تنتشر بسرعة وهي انها دائما ماترتبط بوقت الأزمات والحروب وحدوث الكوارث الطبيعية بمعنى أن الفرد هنا يعيش في حالة من الرعب والقلق والانتظارية والترقب مما يسهل عملية تصديق الإشاعات ، والإشاعة أيضا تخضع لنوع من التمدد التصاعدي حيث تنتقل من فرد إلى آخر ككرة الثلج مما يضمن لها الذيوع والانتشار بشكل كبير ، كما أن الإشاعة تستوجب نوعا من الغموض والالتباس لأنها دائما ما تكون بحاجة إلى دليل وبرهان .

ومن هنا يتبين حجم الأدوات  التي توظفها الإشاعة  والمراحل التي تمر منها لكي تحقق أهدافها ومراميها وفق نسق ومسارات من العمل المبني على عنصري الخبرة والاحترافية واستقرار موجبات التخطيط وكيفية الانتقال من مرحلة إلى مرحلة من أجل ضمان الانتشار والشيوع في سبيل تحقيق الأهداف المسطرة والمرجوة.

هل يتعلق الأمر بظاهرة اجتماعية تتسم بخصوصيات معينة في المجتمع المغربي؟

بالفعل هي ظاهرة اجتماعية تختلف من مجتمع لآخر وبحسب اختلاف المعطيات السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية ، حيث لا يمكن أن نجد نوع من التماثل بين درجات تأثير الإشاعات بين مجتمع وآخر ،فالإشاعة وانتشارها مرتبط إلى حد كبير بطبيعة المجتمع في حد ذاته، ومستويات التعليم والمعرفة وطبيعة الثقافة السائدة ،ومستوى نضج المجتمع ودرجات الثقة بين أفراد المجتمع ،وقياس مدى حضور النوازع الفردية والمشاعر المدنية .

كما  تنتشر الاشاعة بين الجماعات المتجانسة المتشابهة في خصائصها و خاصة ثقافتها من حيث العقيدة , اللغة، العادات ، و القيم ،وطرق التفكير فمثلا نجد ان الشائعة أكثر انتشارا في المناطق القروية عنها في المدينة ،بالنظر ان المناطق القروية يكون فيها الافراد أكثر انسجاما وتجانسا .


 وما هو اكيد انه من الطبيعي أن نجد الإشاعة تكتسي طابع الخصوصية في المجتمع المغربي بحكم الخصوصية التي يكتسبها المجتمع المغربي في حد ذاته ، فهناك بدرجة أولى ارتفاع درجة الأمية بين صفوف المجتمع والجهل أيضا ، مما يجعل الأفراد أكثر قابلية لاستيعاب الإشاعة وتصديقها واعتبارها كحقيقة ماثلة وصادقة ، كما أن ارتفاع مستويات الفقر بين فئات المجتمع وانتشار الهشاشة والبطالة والاحساس بنوع من الإحباط وضيق الأفق وندرة المعلومات المتعلقة بالكثير من الجوانب الحياتية يشكل بيئة صالحة وحاضنة لانتشار الإشاعات، واضف إلى ذلك ضعف الثقة على مستوى العلاقات الاجتماعية التي تجعل الكثير من الأفراد في الأوساط الاجتماعية كوسيلة دفاعية وايضا كأداة هجومية لإلحاق الأذى بالآخر وحضور نوع من النفاق الاجتماعي مقابل ذلك ، وفي ظل هذه الفراغات تنتعش الإشاعات وتثبت جدوائيتها للكثير من الأفراد الذين يعمدون إلى توظيفها في صراعاتهم واختلافاتهم مع الآخرين ، باعتبارها السلاح النفسي الفتاك والتدميري، وبالتالي فالفراغ يساهم في إنتاج الإشاعات إلى حد كبير .


وتنتشر الإشاعة في ظل غياب الوعي بآثارها المدمرة على المجتمع بحكم إثارتها للفوضى والبلبلة وتعمل على إذكاء روح الفتنة والفرقة بين أفراد المجتمع المغربي الواحد ، وغياب أيضا سلطة العقاب التي يمكن أن تشكل سلطة الردع لممتهني إثارة الإشاعات، وغياب نوع من المراقبة الذاتية الردعية للنفس الامارة بالسوء والتي تعبر عن نوع من الاستغراق في تلبية حاجيات ورغبات النوازع الفردية الأنانية والمصلحية.

الدكتور عثمان الزياني أستاذ باحث في العلوم السياسية.

Comments: