^Back To Top

إن العامل الرئيس في تقدم أي أمة أو تخلفها، هو ثقافتها، والمقصود بالثقافة ليس الهوية، والعادات، ولكن الثقافة هي كل مظاهر الحياة الروحية والأخلاقية والتربوية للمجتمع، وهي عميقة الصلة بالممارسات السلوكية اليومية للفرد، والمغرب باعتباره جزأ لا يتجزأ من هذه الأمة رغم الانتقال الذي عرفه على المستوى الديموغرافي والاجتماعي والتقني، إلا أن هذه التحولات لم تنقله من الحالة السابقة إلى الحالة المرجوة. فما هي إذاً أهم التحولات الثقافية التي حدثت في المغرب خصوصا بمنطقة الريف؟ وما هي آليات هذا التحول؟

 سأحاول أن أجيب عن هذين السؤالين من خلال ملاحظاتي اليومية ومتابعاتي لما يجري في المغرب من تحولات سوسيوثقافية وتتم الإجابة من خلال مبحثين.

التحولات التي طرأت على مؤسسة الزواج بمنطقة الريف.

باعتباري شخص أنتمي إلى المجتمع المغربي، وأقطن بمنطقة الريف آثرت أن أتحدث عن مسألة الزواج بهذه المنطقة، والتحولات الكبيرة التي طرأت عليه باعتبار الزواج مؤسسة أساسية لبناء النسيج الاجتماعي، فقد أصبحت العلاقة الزوجية تتم على أساس الحب، الذي كان يعد من قبل عيبا وقلة حياء ويلحق العار بالعائلة وقد يؤدي إلى قتل البنت من طرف عائلتها، أو قتل الولد من قبل عائلة المرأة، فالرجل من قبل كان لا يعرف المرأة ولا يراها حتى ليلة الزفاف أو الدخول بها، في حين تغيرت الأوضاع اليوم وأصبح الرجل يتزوج ويطلق عبر الأنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، ناهيك عن اللقاءات اليومية تكاد أحيانا تصل إلى اللقاءات غير الشرعية بين الرجل والمرأة بدون علم العائلة، وهذا ما يفسر كثرة الطلاق، والعنوسة.


كما تعتبر مسألة غلاء المهر في الزواج من التحولات الطارئة في منطقة الريف، وهذا ما جعل الشباب يعزفون عن الزواج، ويفضلون العلاقات غير الشرعية، فقد كان أمر الزواج من قبل أمراً سهلا، وأغلبه يتم بالفاتحة وبعض الهدايا البسيطة خصوصا إذا كانت العائلة تعرف بعضها البعض.

آليات التحول الثقافي بالمغرب

عرف المغرب كباقي المجتمعات العربية المعاصرة عدة تحولات ثقافية، يمكن أن نرجع آلياتها إلى عاملين اثنين:

العامل الأول: الاستعمار الغربي.

عرف المغرب كباقي دول العالم العربي استعماراً غربيا بكل أشكاله، مما أدى إلى تعديل كثير من القيم والسلوكيات الثقافية السائدة في المجتمع المغربي، وإن كان خرج الغرب بجبروته العسكري المادي، إلا أنه لا يزال حاضرا بعقيدته وقيمه وأهدافه ولغته وطرق لباس أهله وتصرفاتهم، فهناك إذا صراع بين ثقافتين؛ ثقافة مغربية أصيلة وثقافة غربية جديدة دخيلة لكنها نتنة في عمقها وجوهرها.

فرغم استقلال المغرب إلا أن الاحتلال خلف وراءه أساليبه في التعليم والتنظيم في كل المجالات وهكذا بقي المغرب بلداً مستقلاً سياسياً مرتبطاً بالمستعمر اقتصاديا وثقافيا.


العامل الثاني: نظام العولمة.

أما العامل الثاني والرئيس في مسألة التحول الثقافي الذي عرفه المغرب والذي مس كل الأقطار هو ما يمكن أن نطلق عليه بنظام العولمة، وقد ظهر هذا العامل مع الموجة الإعلامية العارمة وظهور ما يسمى بالأنترنيت. وللعولمة مظاهر ووسائل من قبيل: التقدم التكنولوجي والتقني في مجال الاتصالات، والفضائيات، وشبكة الانترنت، ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة..


وقد أفرز هذا النظام عدة تحولات:

عمقت العولمة الإحساس بالفرق والتمييز، وفتكت بالنسيج الاجتماعي والتكافل الاسري، وفرضت سيادة التمثلات الغربية، كما أنها تنذر بمستقبل غير آمن وفوضوي، ولّدت معه الشعور بالخوف.

وكخلاصة لما سبق يبانه يمكن القول إن المغرب عرف عدة تحولات سوسيوثقافية، مست كل المدن والقرى، ومنطقة الريف واحدة من المناطق التي شملتها هذه التحولات، ويرجع سبب هذه التحولات التي حدثت في المغرب إلى عاملين أساسين هما: الاستعمار الغربي، ونظام العولمة.

مصطفى بوهبوه/ باحث في الدراسات الإسلامية ومقارنة الأديان

Comments: